فخر الدين الرازي
186
المطالب العالية من العلم الإلهي
هذا الفعل ، كان هذا الدعاء طلبا لتحصيل الحاصل . وهو محال . الثاني : إن القلب صالح ، لأن يميل إلى الإيمان ، وصالح لأن يميل إلى الكفر . ويمتنع أن يميل إلى أحد الجانبيين إلا لمرجح . وذلك المرجح هو حدوث داعية وإرادة في القلب . ولا يمكن أن يكون حدوث تلك الإرادة ، لإرادة أخرى . وإلا وقع التسلسل . فهي إرادة تحدث بإحداث اللّه تعالى . ثم تلك الداعية وتلك الإرادة . إن كانت داعية الكفر . فهي الخذلان والإزاغة والصد والختم والطبع والدين والقسوة والوقر والكنان . وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن . وإن كانت تلك الداعية داعية الإيمان ، فهي التوفيق والإرشاد والهداية والتسديد والعصمة . وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » والمراد من هاتين الإصبعين : هاتان الداعيتان . فكما أن الشيء الذي يكون بين إصبعي الإنسان يقلب كما يقلبه الإنسان بواسطة ذينك الإصبعين فكذلك القلب لوقوعه بين داعيتي الفعل والترك يتقلب كما يقلبه الحق - سبحانه - بواسطة تينك الداعيتين . ومن أنصف ولم يتعسف ، وجرب نفسه ، وجد هذا المعنى كالشئ المحسوس . ولو جوّز العاقل حدوث إحدى الداعيتين من غير محدث ، لزمه نفي الصانع . وكان صلوات اللّه عليه يقول : « يا مقلب القلوب ، ثبت قلبي على دينك » ومعناه : ما ذكرناه . فلما أخبر اللّه تعالى عن الراسخين في العلم أنهم يقولون : « آمنا » بالمحكمات والمتشابهات ، وأن كلها « من عند » اللّه ، حكى عنهم أنهم تضرعوا في أن لا يجعل قلبهم مائلا إلى الباطل ، بعد أن جعله مائلا إلى الحق . فهذا كلام عقلي برهاني قاطع متأكد بهذا التقرير القرآني . فإن قيل : لما دلت الدلائل على أن الزيغ لا يجوز أن يخلقه اللّه تعالى ، وجب حمل هذه الآية على التأويل . وهو من وجوه : الأول : قال « الجبائي » : المراد بقوله : لا تُزِغْ قُلُوبَنا أي لا تمنعها الألطاف التي معها تستمر القلوب على صفة الإيمان . وذلك لأنه تعالى لما منعهم